الثعالبي

440

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

ما في نفسك إنك أنت عالم الغيوب ( 116 ) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ( 117 ) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( 118 ) ) وقوله سبحانه : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله . . . ) الآية : اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول ، فقال السدي وغيره : لما رفع الله عيسى إلى السماء ، قالت النصارى ما قالت ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك ، فسأله تعالى عن قولهم ، فقال : ( سبحانك . . . ) الآية ، ويجيء على هذا قوله : ( وإن تغفر لهم ) ، أي : في التوبة من الكفر ، لأن هذا قاله ، وهم أحياء في الدنيا ، وقال ابن عباس ، وجمهور الناس : هذا القول من الله إنما هو يوم القيامة يقوله الله له على رؤس الخلائق ، فيرى الكفار تبريه منهم ، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل ، ف‍ ( قال ) ، على هذا التأويل بمعنى : " يقول " ، ونزل الماضي موضع المستقبل ، لدلالته على كون الأمر وثبوته ، وقوله آخرا : ( وإن تغفر لهم ) : معناه : إن عذبت العالم كله ، فبحقك ، فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت ، لا اعتراض عليك ، وإن غفرت وسبق ذلك في علمك ، فلأنك أهل لذلك ، لا معقب لحكمك ، ولا منازع لك ، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم ، مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب ، وهذا القول عندي أرجح ، ويتقوى بما يأتي بعد ، وهو قوله سبحانه : ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) [ المائدة : 119 ] . وقوله ( سبحانك ) ، أي : تنزيها لك عن أن يقال هذا ، وينطق به ، ( ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) ، أي : ما يكون / لبشر محدث أن يدعي الألوهية ، ثم قال : ( إن كنت قلته فقد علمته ) ، لأنك أحطت بكل شئ علما ، وأحصيت كل شئ عددا ، فوفق الله عيسى لهذه الحجة البالغة ، وقوله : ( تعلم ما في نفسي ) ، خص النفس بالذكر ، لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات . والمعنى : أن الله - سبحانه - يعلم ما في نفس عيسى ، ويعلم كل أمره مما عسى ألا يكون في نفسه .